النظرية الاقتصادية و الأزمة المالية 1-2

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

النظرية الاقتصادية و الأزمة المالية 1-2

مُساهمة من طرف admin في الإثنين نوفمبر 16, 2009 6:52 am

د. فلاح حسن ثويني

بقدر ما تحمله الأزمة المالية العالمية من تأثيرات في مختلف القطاعات الاقتصادية (الحقيقية والمالية)، فإنها وبقدر اكبر، تثير الغموض وعدم الوضوح في آليات تداعياتها الزمانية والمكانية التي قد يصعب إيجاد تفسيرات منطقية تستند الى حقائق لاتقبل الدحض لأن هناك الكثير من المتغيرات والتناقضات.

إذ تعُد الأزمات الاقتصادية Economic Crisis اخطر مراحل الدورات الاقتصادية Economic Cycle التي تحدث في الاقتصادات الرأسمالية وتنتقل تأثيراتها الى الاقتصادات الأخرى وحسب درجة الارتباط، ومنشأ كل الازمات الاقتصادية هو التقلبات الشديدة في بعض او كل متغيرات طرفي الاقتصاد، الجانب الحقيقي (السلعي) والجانب المالي (النقدي)، وسرعان ما تتفاعل التغيرات في المتغيرات الحقيقية والمالية لتشكل خليطاً من التأثيرات المتبادلة بين جانبي العرض الكلي والطلب الكلي، على اعتبار ان النقود هي حق على الاقتصاد السلعي يتيح لها إشباع الحاجات الأساسية، وبالتالي فالنقود هي أصل مالي Financial Asset ممثل عن الاقتصاد السلعي فالدورة الاقتصادية وتسمى أيضا بدورة الاعمالBusiness Cycle تتمثل في التقلبات في اتجاه المتغيرات الاقتصادية الكلية مثل الناتج الكلي والتشغيل والتضخم والبطالة، وتتسم هذه الدورات بتكرار حدوثها الذي قد يكون منتظما في بعض الأحيان او غير منتظم في كثير من الأحيان، أي عدم التساوي بين المدة الزمنية التي تستغرقها الاتجاهات التوسعية Expansion في الدورة التي تتمثل بالتقلبات من مركز او نقطة التحول الدنيا، او قاع الدورة Trough التي تمثل حالة الكساد Depression، وبين المدة الزمنية التي تستغرقها الاتجاهات الانكماشية Contraction التي تتمثل بالتحولات من نقطة التحول العليا او القمة Peakالتي تمثل وضع الانتعاش او الرخاء Prosperity، فعندما يكون الاقتصاد في وضع القمة توجد هناك عوامل ومتغيرات تدفع الى وضع الانكماش والركود Stagnation ثم الكساد، وكذلك عندما يكون الاقتصاد في وضع الكساد توجد عوامل ومتغيرات تدفع للتحول الى وضع التوسع والانتعاش.
وتحدث الأزمة عندما تحصل التقلبات بين (القمة) و(القاع)، وشدة او خطورة الأزمة يعتمد على سرعة التحولات والانتقالات للمتغيرات الاقتصادية الكلية (الحقيقية والمالية)، ويجري أحيانا تشبّيه الدورة والأزمة الاقتصادية مجازاً بـ (الجبل) اذ تمثل قمته حالة الانتعاش، ويمثل (الوادي) حالة الكساد، فكلما كان الوادي عميقا وواسعا يعكس ذلك الأثر الكبير للازمة وخطورتها، كما حدث في أزمة الكساد الكبير عام 1929، وقد يكون هذا الوادي ضيقاً وقليل العمق (قل خطورة) كما حصل في عام 1970 (أزمة السيولة).
وفي الفكر الاقتصادي الرأسمالي ظهرت العديد من النظريات الاقتصادية التي تعطي تفسيرات لحدوث هذه الدورات والأزمات الاقتصادية، مثل نظرية الأرصاد والتقلبات الجوية، او ما عُرف بـ (نظرية بقع الشمسSun Spot Theory)
في عام 1875 للاقتصادي S. Jevones والتي ترجع أسباب الأزمات الى تأثير الإشعاع الشمسي على إنتاج القطاع الزراعي وانعكاس هذه التأثيرات فيما بعد في القطاع الصناعي والتجاري، اي ان ظهور البقع الشمسية بصورة دورية سوف يؤدي الى تغير الأحوال الجوية الذي يقود هو الآخر الى التأثير في ظروف الإنتاج الزراعي (توسعا او انكماشا) وبما ان الإنتاج الزراعي له ارتباطات أمامية وخلفية، وآثار استهلاكية وصناعية وتجارية فان التقلبات سوف تنتقل لها.
وكذلك (النظرية السيكولوجية للازمة) Psychological theory التي تعزي الأزمات الى ردود الفعل النفسية لرجال الأعمال تجاه التغيرات في المتغيرات الاقتصادية الفعلية، وردود الأفعال هذه تعود الى اخطاء التنبؤ Forecast Error التي تتعلق اسبابها بقيام النظام الاقتصادي الراسمالي على اساس من عمليات معقدة متعددة كثيرة وغير مباشرة وذات فترات غير قصيرة، ايضا فان هذا النظام يقوم على آلية الانتاج الفردية (الخاصة) اذ يوجد عدد كبير من المنظمين الذين يعملون في استقلال عن بعضهم بحيث لاتربطهم أداة توجيه او إشراف مركزية، ويتخصص كل منهم في انتاج سلعة او جزء من السلعة، وتحدث الأزمات عندما يكون هناك مبالغة كبيرة من قبل المتفائلين بان الأرباح المتوقعة ستكون كبيرة، او من قبل المتشائمين بان الخسائر ستكون كبيرة مستندين في ذلك الى سلوكهم النفسي بصورة اكبر من الاستناد الى الحقائق الفعلية، فتتداخل العوامل تؤدي الى تغيرات في تسعير الاصول المالية التي تنعكس تاثيراتها في المتغيرات الحقيقية، وهو ما حدث في معظم الأزمات الاقتصادية.
أيضا (نظرية نقص الاستهلاكUnder Consumption Theory ) التي جاء بها Hobsen وآخرون حيث قامت طروحاتهم على اساس ضرورة تناسب الحجم الكلي للنقود او قوتها الشرائية مع الحجم الكلي للإنتاج، وانه كلما ادّخر المستهلكين جزء اكبر من دخولهم، كلما ادى ذلك الى قلة الطلب على السلع الاستهلاكية، في حين ان الادخار لو تعادل مع الاستثمار لما كان هناك فقدان للقوة الشرائية.
اما (نظرية التحليل الرياضيMathematic Analysis Theory او ما عرف بنموذج Harrod، الذي يؤكد على وجود خلل أساسي في النظام الاقتصادي، اذ ان الأزمة الاقتصادية تحصل عندما يكون معدل النمو الفعلي اكبر من معدل النمو المرغوب فيه فتحدث أزمة عجز في الإنتاج ما يدفع المنتجين بزيادة الانتاج الى معدلات توسعية عالية الى المستوى الذي يصبح فيه معدل النمو الفعلي اقل من معدل النمو المرغوب فيه، فيتجه الإنتاج الى الانخفاض.
وتوضح (النظرية الماركسية) Marxism Theory حسب ماركس 1818- 1883) وإتباعه، بان التناقضات الموجودة في النظام الاقتصادي الرأسمالي هي الأساس في حدوث الأزمات الاقتصادية، مع انهم (الماركسيون) لا يعدّون الأزمات بمثابة حدث طارئ او مفاجئ في الرأسمالية، وانما يعتبرونها العنصر الأساس لتنظيمها وضبط آلياتها وعن طريقها (تحلّ) الرأسمالية وبشكل مؤقت وعابر تناقضاتها، الا أنها عاجلا ً أم آجلاً، ومن خلال أزمة ما وتحت ضغط الطبقة العاملة وما أن يبدأ الركود الاقتصادي ستشهد الرأسمالية انهيارها.
و (نظرية التجديد والابتكار) لـ Schumpeter J. (1883 - 1950) الذي يرى ان أسباب الأزمات تعود الى ديناميكية النظام الاقتصادي في تطور الفنون الإنتاجية المستخدمة وفي تغير كمية النقود، اي عندما يكون النظام الاقتصادي في حالة من التوازن الثابت المستقر Stable Equilibrium وهو الوضع الذي ينعدم في اي نمو (تغير) للنظام الاقتصادي وهي حالة السكون Static، ولكن فجأة يظهر مايعرف بـ (التدمير الخلاق) Creative Destructionحسب تعبير شومبيتر الذي يقصد به الابتكار الذي يمثل الحافز على الحركة والنمو، وهذا الابتكار هو الذي يكون مسؤلاً عن نمو النظام وحركته وتطوره، وهو المسؤول ايضا عن انهياره وتدميره من خلال (الانزلاق) الى مرحلة اكبر من الحركة والنمو،عندما تعجز الآليات القائمة عن استيعاب كل الابتكارات والاختراعات، وهكذا فان النظرية تفسر الأزمة انطلاقاً من عواملها المسببة المتمثلة في ظهور الاختراعات Inventions والابتكارات الجديدة او الابداع Innovation في المجالات المختلفة، وكذلك نشاط حركة الائتمان لتمويل هذه الابتكارات والتجديدات.
كذلك أوضحت (نظرية التغيرات البنيوية) Structural Changes Theory للاقتصادي Akerman بان التغيرات فى البنى والهياكل هي التي تقف وراء التغيرات والتحولات الاقتصادية، وذكر (اكرمان) في مؤلفه (البنى والدورات الاقتصادية) عام 1945، ان هذه التغيرات البنيوية هي نتيجة تفاعل ثمانية أنواع من القوى، أربعة منها أساسية او أولية، وهي التقدم التقني، والنمو السكاني ,والتغيرات السياسية والإضرابات، والتأهيل والتحولات. وأربع قوى ثانوية هي، تطور نظام التسليف (الإقراض)، وتطور التجمعات، وتوسع الصناعة على حساب الزراعة، والتحولات في توزيع الدخول.
والنظرية الأخرى هي (نظرية المغالاة او الإفراط في الاستثمار) Excessive Investment Theory للاقتصادي السويدي G. Castel، الذي يؤكد ان نهاية مرحلة الانتعاش وبداية مرحلة الانهيار تعودان الى المغالاة في الاستثمار الى درجة تزيد عن عرض راس المال, ويرى (كاسل) ان قوى التطور الاقتصادي طالما انها لايمكن ان تأتي منتظمة فان عدم انتظامها سيؤديان الى توسع كبير في المعدلات المعتادة للنشاط الاقتصادي، وتتمثل حالات التوسع الكبيرة في فترات من الرواج والانتعاش تنتهي دائما الى حالة الكساد والانهيار. ويعتقد كاسل ان استمرار التوسع الاقتصادي وثباته في مرحلة الانتعاش سيؤديان الى اتجاه منحنى النشاط الاقتصادي نحو الارتداد الى مرحلة خطيرة هي الأزمة التي تحدث مصحوبة بخسائر جسيمة وفقدان الثقة وإفلاس الكثير من المؤسسات المالية، والسبب في ذلك هو التقديرات الخاطئة للمنظمين، واهم المؤشرات التي يستدل من خلالها على حدوث الأزمة هو ارتفاع سعر الفائدة الذي يتسم بانخفاضه النسبي في بداية مرحلة التوسع.
وكانت (النظرية النقدية) Monetary Theoryمن بين أهم النظريات التي فسرت الأزمات الاقتصادية بإرجاعها الى التوسع والانكماش في النقود والائتمان، بل ان الجميع تقريبا يتفقون على ان الجانب النقدي هو المسبب الأساسي لكل الأزمات الاقتصادية، مع الإقرار بان سلوك التغيرات في كمية النقود يتأثر هو الآخر بتحركات المتغيرات غير النقدية كالانتاج والدخل والاستخدام ومستوى الأسعار والفائدة وتوزيع الدخل والثروة، حيث يلاحظ وابتداءً من النظرية النقدية الكمية الكلاسيكية خلال القرون الرابع عشر حتى العقد الثالث من القرن العشرين، ومفكريها ابتداءً من J.Podin، (1530- 1596)، و Lock. J و Cantilleon R. وHume D.و Ricardo وMill J.S.و Fisher I.، ومن بعدهم (الكلاسيك المحدثين) Neo classic فبالرغم من فصلها بين الجانب النقدي والحقيقي (الذي اثبت الواقع عدم صحته فيما بعد) الا أنها اقرّت بان التغيرات في كميات النقود وفي سرعة تداول النقود سينعكس تاثيرها في الجانب النقدي (المستوى العام للأسعار)، الذي هو متوسط أسعار السلع والمنتجات (الجانب الحقيقي) من الاقتصاد، وعليه يفترض (من وجهة نظر ريكاردو) ان يكون الإصدار النقدي خاضعا لغطاء معدني يعادل 100 % من قيمة الاصدار من اجل الحد من الزيادة لعرض النقد الذي لايناسب المطلوب من المنتجات. ومن ثم ظهرت ما عُرف بـ (نظرية الأرصدة النقدية Cash Balances Theory التي كانت امتداد للتحليل الكلاسيكي، وروادها امثال A. Marshal، (1772- 1823) وPigou A.C.و D. Robertson و Hawtrey M.، ومن ثم Wicksell K.وHayeck F.، اذ اكدت هذه النظرية ان التقلبات في المستوى العام للأسعار يعود الى تغير العناصر النقدية (الطلب وعرض النقود). وفيما بعد ظهرت (النظرية النقدية الكنزيةKeynesian Monetary Theory بافكار رائدها J.M. Keynes ومن ثم HicksوHansen A.و O. Langeو PatincktiوTobin J. وغيرهم، كرد فعل على الأزمة الاقتصادية العالمية في عام 1929التي أثبتت عدم صحة دور النقود المحايد على النشاط الاقتصادي الذي افترضه الكلاسيك، وان بامكان التغيرات في المعروض النقدي وفق ماتصّدره البنوك المركزية من عملة، وما تخلقه المؤسسات المالية الوسيطة المصرفية وغير المصرفية من ائتمان، وعبر التغيرات في أسعار الفائدة ان تؤثر في متغيرات الجانب الحقيقي كالاستثمار والتشغيل والناتج الكلي ومن خلال مضاعف الاستثمار، فعندما يكون الاقتصاد في مرحلة الانتعاش (القمة) تكون الكفاية الحدية لراس المال MEC مرتفعة، ولكن بمجرد الإحساس ان العوائد المتوقعة ستكون منخفضة ستتجه الى الانخفاض الحاد والسريع حتى مرحلة الركود والكساد (القاع).
وكانت (النظرية النقدية الكمية الحديثة) التي عُرفت بمنهج شيكاغو او (النقوديون) Monetarism التي ظهرت منذ نهاية عقد الخمسينيات من القرن العشرين بزعامة Freidman M.هي آخر نتاج الفكر الاقتصادي النقدي الذي عزى التقلبات في النشاط الاقتصادي ومن ثم عدم الاستقرار والأزمات الاقتصادية الى التغيرات في كميات النقود التي لا تتناسب مع التغيرات في إنتاج السلع والخدمات، ويؤكد على ذلك فريدمان بالقول بانه لم يحدث قط ان وقعت حادثة تغيرت فيها كمية النقود بشكل كبير لكل وحدة إنتاج دون ان تصطحب معها تغييراً في مستوى الأسعار بشكل كبير ايضاً وفي الاتجاه نفسه، وان معظم أوضاع الانكماش او الركود الاقتصادي يسبقها انخفاض في معدلات نمو عرض النقد، وان حالات التوسع الاقتصادي تسبقها تزايد في معدلات نمو عرض النقد.
اما (النظرية السياسية للازمةPolitical Theory فإنها ترجع الأزمات الاقتصادية الى السياسيين الذين (يتلاعبون) في السياسات المالية والنقدية لتحقيق مصالح سياسية وانتخابية، اذ ان العديد من الأزمات الاقتصادية التي حدثت تمثل انحراف إحدى او كلتا السياستين عن المسارات التي من شانها المحافظة تحقيق الاستقرار المتمثل بالمحافظة على قيمة العملة داخليا او خارجيا.
وتجدر الإشارة الى ان معظم الأزمات الاقتصادية قد يوجد لها تفسير في هذه النظرية او تلك، ومن ثم فان لكل أزمة متغيراتها وظروفها وبالتالي فان إخضاعها لنظرية معينة يرتبط بتحقق ظروف مماثلة او قريبة مع الاقرار بان التطورات المعاصرة في مختلف جوانب الحياة قد تجعل من تشابه الظروف عملية ليست يسيرة، لكن عملية الاستفادة من التجارب والدروس ليست صعبة.
avatar
admin
المدير العام
المدير العام

العمر : 36
تاريخ التسجيل : 16/11/2009
عدد المساهمات : 124
الموقع : مصر

http://economy-eg.alafdal.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى