أساليب مرفوضة للإنعاش الاقتصادى.. د. إبراهيم العيسوي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

أساليب مرفوضة للإنعاش الاقتصادى.. د. إبراهيم العيسوي

مُساهمة من طرف admin في الأحد يوليو 17, 2011 4:40 am

إبراهيم العيسوي يكتب:
كان الغيظ يتملكنى كلما شاهدت إعلانا يناشد المواطنين شراء أوراق مالية دعما للبورصة، وكلما ظهر بعض المشاهير وكبار المشايخ والقسس ونفر من شباب الثورة فى البورصة لافتتاح جلسات التعامل فيها، وكأن وجود هؤلاء يدعم الثقة فى البورصة ويطرح البركة فى تعاملاتها.
فقد بدا الأمر وكأن صعود مؤشر البورصة هو المعيار الصحيح للنجاح الاقتصادى، مع أن البورصة فى بلادنا كانت تتسم بقدر كبير من الضعف والهشاشة لسنوات طوال قبل قيام الثورة، ومع أن مؤشرات البورصة، التى تلعب فيها المضاربات دورا رئيسيا كثيرا ما لا يكون لها صلة بالحالة الاقتصادية الفعلية للشركات، التى تتداول أسهمها فى البورصة، أو بحالة الاقتصاد العينى أى قطاعات الإنتاج الأساسية فى الاقتصاد الوطنى. أضف إلى ذلك أن دعوة المواطنين للاستثمار المالى فى البورصة هى فى الواقع دعوة للانخراط فى نشاط ريعى تنتقل فيه الأوراق المالية من يد إلى يد دون إضافة إلى رأسمال المجتمع، بيد أن ما تشتد حاجة البلاد إليه هو الاستثمار الإنتاجى. ويمكن بالطبع أن يكون الاستثمار المالى فى البورصة طريقا للاستثمار الحقيقى المنتج إذا دعى الناس للاكتتاب فى شركات جديدة. ولكن هذاأمر لم تشهده البورصة منذ فترة طويلة.
كما استفزتنى رحلة وزير المالية إلى واشنطن لاستعطاف البنك الدولى وصندوق النقد الدولى من أجل تقديم قروض لمساعدة الاقتصاد المصرى على الخروج من حالة الركود، التى دخلها منذ اندلاع ثورة يناير. واستغربت مسارعة الحكومة المصرية برجاء الحكومة الأمريكية التنازل عن الديون المستحقة على مصر وتقديم معونات إضافية لدعم اقتصادنا. وسبب الاستفزاز والاستغراب هو أن مصر مثقلة بالقروض الخارجية ــ وبالقروض الداخلية أيضا ــ وأن قروض الهيئات الدولية المعنية غالبا ما تكون مقترنة بشروط تجور على حرية القرار الوطنى، وأن الحكومة الأمريكية ما زالت تعانى الركود، الذى نتج عن الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، ومن ثم فإنها قد
خفضت ما تقدمه من معونات للدول النامية، ولا ينتظر منها أن تستجيب لمطلب إلغاء الديون المصرية على سبيل تعاطف مشكوك فيه مع ثورة يناير، ولا حتى فى
مقابل الإعلان الغريب من الحكومة أنها لن تحيد عن سياسة الاقتصاد الحر.

ومن المعروف أن الحكومة الأمريكية لا تقدم مساعداتها بدون شروط. وهذه الشروط تدور حول خدمة المصالح الأمريكية فى بلادنا، والتى تشتمل على حماية أمن أمريكا وتوسيع نفوذها السياسى فى بلادنا وخدمة الأهداف الإسرائيلية، وعلى تأمين مصالح الشركات الأمريكية والشركات متعددة الجنسيات فى فتح أسواقنا أمام منتجاتها واستثماراتها بغض النظر عما يمكن أن يترتب على ذلك من ضرر للصناعات الوطنية. فهل يستقيم، وقد أحيت الثورة فينا الشعور بالعزة والكرامة، أن نسلك سبيلا ينطوى على المساس بالعزة والكرامة؟ وقد أسعدنى أن أقرأ فى أهرام 2 مايو خبرا يفيد برفض الحكومة المصرية شروط واشنطن المرتبطة بتقديم مساعدة قدرها 150 مليون
دولار، ورفض الإجراءات الأحادية من جانب هيئة المعونة الأمريكية، وبخاصة التجاوزات فى أسلوب تنفيذ بعض المشروعات خصوصا ما يتعلق بتقديم تمويل مباشر
من برنامج المساعدات الاقتصادية للقطاع الخاص ولمنظمات المجتمع المدنى بشكل مباشر.ولكن ألم تكن حكومتنا فى غنى أصلا عن سؤال اللئيم؟ وألم يكن من الحكمة ألا تطرق هذا الباب الذى لم يكن ما وراءه خافيا عنها؟ وألم يدر بخلد الحكام الجدد أن المنطق يقضى بألا تلجأ للغير إلا بعد أن تستنفد فرص مساعدة نفسك بنفسك؟ ومن المؤكد ــ كما سنرى ــ أن هذه الفرص لم تستنفد بعد.
وقد ازداد شعورى بالاستفزاز عندما سافر رئيس مجلس الوزراء إلى عدد من دول الخليج داعيا إياها للاستثمار فى مصر، ليس فقط لإغفال منطق أن تبدأ بمساعدة نفسك قبل أن تطلب المساعدة من الآخرين، ولكن أيضا بسبب تبنى الحكومة لافتراض عجيب بأن المستثمر العربى يمكن أن يستثمر فى مصر فى ظروف غيبة الأمن والاستقرار وشيوع حالة من عدم التيقن بشأن ما ستتطور إليه الأوضاع السياسية والاقتصادية مستقبلا، وهى الظروف التى جعلت المستثمرين المحليين يحجمون عن الاستثمار فى بلدهم.

ويستولى على شعور بالاستغراب من تكرار الدعوة من جانب كبار المسئولين إلى الشعب لإعادة عجلة الاقتصاد إلى الدوران. فكأن المصريين فى حالة إضراب دائم عن العمل، وكأن فرص العمل متاحة ولكن المتعطلين يتبطرون عليها. وبالطبع تحدث انقطاعات هنا أو هناك فى سير عجلات الإنتاج بين وقت وآخر نتيجة للاحتجاجات العمالية. ولكن هذا ليس السبب الرئيسى فى الركود، الذى أصاب الاقتصاد المصرى إبان أحداث الثورة. بل وربما كان عدم الاستجابة لبعض مطالب زيادة أجور الفئات الدنيا وتقليص أجور الفئات العليا وتثبيت العمالة المؤقتة سببا فى استمرار الركود، حيث ان الزيادات فى أجور هذه الشرائح من العاملين ستتدفق فورا إلى السوق وتحرك عجلة الإنتاج.إن جانبا من الركود يعود إلى توقف بعض الأنشطة وبخاصة السياحة والصادرات، وتراجع حصيلة تحويلات العاملين فى الخارج، خاصة مع نشوب ثورات فى دول مستقبلة للعمالة والصادرات المصرية وعودة أعداد كبيرة من المصريين صفر اليدين منها، وأصبح من المتعين تدبير فرص عمل لهم.
أضف إلى ذلك ما حدث من خسائر واضطراب فى عمليات الإنتاج بسبب ما قامت به ــ ولم تزل ــ القوى المضادة للثورة من تخريب وتدمير لبعض المنشآت العامة والخاصة، ومن إشاعة للفوضى والترويع ومن جرائم أخرى، فضلا على الفلتان الأمنى. وعلاوة على هذا وذاك فإن انكماشا أصاب الاقتصاد بسبب انخفاض الطلب، الذى نجم عن انخفاض الإيرادات العامة، وبسبب تسرب قدر لا بأس به من النقد الأجنبى إلى الخارج تهريبا أو تمويلا لطلب متزايد على الواردات، وبسبب تراجع الاستثمار الأجنبى المباشر.

لاحظ إن حالة الاقتصاد المصرى لم تكن على ما يرام أصلا قبل الثورة، ولا حتى قبل تأثر الوضع الاقتصادى بالأزمة الاقتصادية العالمية التى وقعت فى خريف 2008. وليس صحيحا ما ذكره وزير المالية بأن الاقتصاد المصرى كان يسير بشكل جيد من حيث النمو، وأن المشكلة كانت تنحصر فى أن ثمار هذا النمو لم تكن تتوزع بشكل عادل. بالطبع كان توزيع الدخل والثروة بعيدا عن العدالة وانحاز بشكل صارخ للأغنياء. ولكن كانت هناك مبالغات ضخمة فى معدلات النمو الاقتصادى التى قيل أنها دارت حول 7% سنويا فى السنوات الثلاث السابقة على الأزمة الاقتصادية العالمية، بينما لم تكن تزيد على 4% فى حقيقة الأمر، وكانت مساهمة القطاعات الإنتاجية
الرئيسية، وبخاصة الصناعة التحويلية والزراعة، فى النمو الاقتصادى ضعيفة جدا. فقد كان نصيب الصناعة التحويلية فى الناتج المحلى الإجمالى فى حدود 16%، وهو قريب من المستوى الذى كانت مصر تحققه فى أواخر الستينيات من القرن الماضى. كما أن الزراعة المصرية كانت تعانى ضعفا شديدا فى الاستثمارات، مما أدى إلى بطء نمو الإنتاج الزراعى وتفاقم مشكلة الأمن الغذائى.

إذن عجلة الإنتاج لم تكن تسير قبل الثورة لا بالسرعة الواجبة ولا فى الاتجاه الصحيح. وجاءت أحداث الثورة وتصرفات القوى المضادة للثورة عندنا وفى عدد من الدول العربية لتزيد الأمر سوءا، ليس فقط من الناحية الاقتصادية، ولكن من الناحية الأمنية أيضا. فى هذه الظروف يلزم تعويض التراجع فى الإنتاج وفى الطلب الكلى، لاسيما الاستثمار الخاص المحلى والأجنبى بجرعات إنفاق تكون بمثابة ضخ دماء جديدة فى الجسد الاقتصادى المنهك، تنعش الإنتاج وتزيد من فرص العمل والأجور. وهو ما يزيد الطلب الكلى ويدخل الاقتصاد فى دورة حميدة من النمو، ويشكل قاعدة جذب جديدة لكل من المستثمر المحلى والمستثمر الأجنبى. وربما تكون هناك أفكار متعددة لتحقيق هذا الهدف، بعيدا عن أسلوب الاستجداء أو الاستعطاف أو الاقتراض. ولكن من بين هذه الأفكار تلح على فكرة أود أن أعرضها كمثال لما يمكن عمله.
[/size]
avatar
admin
المدير العام
المدير العام

العمر : 35
تاريخ التسجيل : 16/11/2009
عدد المساهمات : 124
الموقع : مصر

http://economy-eg.alafdal.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى