محاكمة صندوق النقد الدولي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

محاكمة صندوق النقد الدولي

مُساهمة من طرف admin في الخميس ديسمبر 03, 2009 7:43 am

في المؤتمر السادس عشر لمنتدي البحوث الاقتصادية‏:‏
محاكمة صندوق النقد الدولي
بقلم: عبير رشدان
باحثة بمنتدي البحوث الاقتصادية


‏المدارس الفكرية الاقتصادية تقف حائرة أمام تفسير ما حدث وفي تقديم الحلول لمواجهة الأزمة‏!‏

كيف تصف الولايات المتحدة الصين بالدولة المتلاعبة بالعملة بينما تمتنع عن استخدام إستراتيجية مماثلة في التعامل مع البلدان المصدرة للنفط من ناحية أخري؟

التأكيد علي أن أسواق المال لا تميل نحو التوازن

الحاجة إلي مؤسسة مالية عالمية يتمحور دورها في تصميم ورسم الطرق والخطط التي تعزز الاستقرار العالمي

شهد المؤتمر السادس عشر لمنتدي البحوث الاقتصادية الذي عقد بالقاهرة علي مدار ثلاثة أيام‏,‏ حشدا كبيرا من الخبراء والمختصين العرب والأجانب علي اختلاف مدارسهم ومواقعهم‏,‏ لمناقشة‏'‏ الأزمات الاقتصادية وآثارها وسبل العلاج‏'..‏ والتحاور حول القضايا والمشكلات الاقتصادية التي تفاقمت بفعل الأزمة العالمية‏,‏ وقد حفلت المناقشات بتبادل المعرفة والخبرات الأمر الذي يفيد في تطوير وإثراء المعرفة النظرية‏,‏ فضلا عن تقييم وتطوير الخبرات التطبيقية‏,‏ فهذه الأزمة لم تكن علي صعيد الواقع فحسب كما وضح من مناقشاتها بل كانت أيضا علي صعيد الفكر‏,‏ إذ اتضح أن مختلف المدارس الفكرية الاقتصادية قد وقفت حائرة سواء في تفسير ما حدث أم في تقديم الحلول لمواجهة الأزمة‏.‏ وتطرقت المناقشات والحوارات الجانبية والتعليقات إلي مختلف جوانب الأزمة المالية العالمية الحالية وكذلك الأزمات السابقة والدور المنوط بالسياسات والمؤسسات المحلية الدولية لمواجهة تداعيات الأزمة والدروس المستفادة من الأزمة‏,‏ ودور الصندوق في المرحلة القادمة‏,‏ والمطالبة بمزيد من الدراسات علي المستوي القطري‏,‏ لمواجهة تداعيات الأزمة‏,‏ وانه لا توجد نظرية اقتصادية قادرة علي التنبؤ بال
أزمات‏.‏ ولكن ظل السؤال المطروح بلا إجابة‏,‏ لماذا تحدث عمليات الإنقاذ هذه في أشد بلدان العالم تمسكا بالرأسمالية؟

وشارك في أعمال المؤتمر كل من‏:‏ جستن لن‏-‏ نائب رئيس البنك الدولي‏,‏ توني فينبلس بجامعة أكسفورد‏,‏ مارتن رفاليون من البنك الدولي‏,‏ منجي أبو غزالة من جامعة المنار‏,‏تونس‏,‏ حسن إيرسل الأستاذ بجامعة سبانشي تركيا‏,‏ مسعود أحمد مدير قسم الشرق الأوسط ووسط آسيا بصندوق النقد الدولي‏,‏ محمود الجمل من جامعة ريس‏,‏ جيراردو ديلا باوليرا رئيس شبكة التنمية الدولية‏.‏ وقد وضح أن هذه الأزمة العالمية‏,‏ لم تكن علي صعيد الواقع الاقتصادي فحسب‏,‏ بل كانت أيضا علي صعيد الفكر‏,‏ إذ اتضح أن مختلف المدارس الفكرية الاقتصادية‏(‏ الكلاسيكية‏,‏ والنيوكلاسيكية‏,‏ والكنزية‏,‏ والنقدية‏..)‏ قد وقفت حائرة سواء في تفسير ما حدث‏,‏ أم في تقديم الحلول لمواجهة الأزمة‏.‏

وإذا كانت الأزمة الاقتصادية العالمية علي صعيد الواقع والفكر قد اندلعت أساسا في الدول المتقدمة‏,‏ إلا أن دول العالم الثالث‏,‏ ومن بينها الدول العربية بطبيعة الحال قد تأثرت بشكل قوي من جراء الأزمة‏,‏ وأصبحت هذه الآثار تشكل قيودا شديدة علي حركة النمو والتنمية فيها بحكم الصلات والروابط الوثيقة التي تربطها بالاقتصاد الرأسمالي العالمي‏.‏

وأشار توني فينبلس من جامعة اكسفورد والمحلل الاقتصادي للموارد الطبيعية الي أن الازمات غالبا ما تصيب أربع نواح‏:‏ الاقتصاد الكلي والمناخ والغذاء والموارد الطبيعية وركز في حواره علي الدول الغنية بالموارد الطبيعية خاصة البترول نظرا لما تواجهه من تقلبات وتأثر بالصدمات‏,‏ فتلك الدول غالبا ما يكون النمو الاقتصادي بها منخفضا‏,‏ ولا سيبل لها إلا دعم الادخار المحلي ليكون دافعا للنمو الاقتصادي والتوجه نحو الاستهلاك المحلي‏,‏ مقترحا‏12‏ مبدأ علي أربعة مستويات تتباين فيما بين ضرورة العمل علي توافر المساءلة والشفافية مع إصلاح النظام المالي في ظل توافر بيئة تشريعية ملائمة‏.‏ تلك الدول يجب ان تركز جهودها علي اختيار الاستثمارات الجيدة سواء داخل البلاد او خارجها مع مقارنة العوائد المختلفة حتي يمكن ان تحافظ علي نمو اقتصادي مستقر مستدام في مواجهة ايه تقلبات أو أزمات عالمية‏.‏

وتساءل الدكتور منجي أبو غزالة أستاذ الاقتصاد بجامعة المنار بتونس‏,‏ حول مدي تمكن الاقتصاديين من الأدوات التحليلية إلي الحد الذي يمكن من التنبؤ بالازمة ؟ وما هي الأسباب الرئيسية التي تكمن وراء نشوب الأزمة الحالية ؟ ويري أن الأزمات أمر عادي تصاحب النظام الرأسمالي‏,‏ مثلها مثل الأمراض الطبيعية والكوارث والمجاعات‏,‏ ولكن في بعض الأحيان تكون الأزمات من صنع الإنسان‏,‏ ونحن في عالم الاقتصاد اعتدنا أن نسعي خلف الاستقرار الاقتصادي‏,‏ والجنوح نحو التوازن العام‏,‏ ومن هنا تعد الأزمات أمرا استثنائيا‏,‏ فحتي الآن لا توجد نظرية اقتصادية تتناول الأزمات رغم تعدد الدراسات والمفاهيم إلا أنها لم تصل الي الدرجة التي يمكن وضعها في إطار عام يمكن التعويل عليه‏.‏ وأشار إلي أن الدول ذات النمو المتدني تكون أكثر عرضة للأزمات وأشد تأثرا‏,‏ حيث الاعتماد علي الصادرات والتحويلات الي جانب المعونات والمساعدات الأجنبية التي بدورها تتراجع في أوقات الأزمة‏.‏ بينما علي الجانب الآخر نجد الدول التي تتسارع فيها معدلات النمو تكون أكثر إهلاكا للموارد الطبيعية لتؤثر سلبا علي النواحي البيئية وتغير المناخ واستنفاد الموارد الطبيعية‏.‏ وأشار إلي أن السبب الحقيقي للأزمة يرجع إلي القصور الواضح في كفاءة المؤسسات الائتمانية‏.‏ وأوضح أن الحوكمة الجيدة وقوة القانون لمن الأدوات الهامة ليس فقط في مواجهة حدة الأزمة ولكن أيضا في خفض مخاطر الاستثمار المحلي والأجنبي مما يدعم من عملية التنوع الاقتصادي‏.‏

اما عن الازمة الحالية فنحن لا نزال في حالة من القصور التحليلي يعجز عن التنبؤ بالازمة القادمة‏,‏ فلا زال الربط بين الاقتصاد الحقيقي واسواق المال ضعيفا‏,‏ وما زالت أصوات الاقتصاديين تري ان ما حدث للقطاع المالي يجب ان يترك كلية للرقابة المالية فقط‏.‏ ولكن ما نراه علي ارض الواقع أجهض ذلك الفكر وجعل البعض يقر بقصور فهم آلية عمل الأسواق المالية أي أن القصور في المعرفة هو السبب الرئيسي لحدوث الأزمة الحالية‏.‏ فعلي الرغم من تعدد النماذج الاقتصادية الكلية فانها لا تعدو إلا أن تكون بدائية عند محاولة الربط بين الأسواق المالية والاقتصاد الحقيقي‏,‏ من هنا يكون الافتقار الي الادوات التحليلية الكافية للتنبؤ فهل يعلم أحد متي وأين تكون الأزمة القادمة؟ فلا توجد نظرية متكاملة حتي وقتنا هذا‏,‏ مما يعود بنا الي دور الحوكمة الجيدة والمؤسسات الاقتصادية السليمة التي تعمل علي خفض التعرض للازمات مستقبليا‏.‏

أما فرانسوا بورجينيون الخبير الاقتصادي فتناول كلفة الأزمة‏,‏ فالتعرض للأزمات لها كلفتان هما تكلفة آثار الأزمة والآخر هي تكلفة التأمين من الأزمة من حيث السياسات المتبعة‏.‏ فالازمة هي صدمة خارجية تضرب البلدان النامية ولكن تتفاوت البلدان فيما بينها من حيث التعامل والأثر‏,‏ وهنا يبرز دور قوة الهيكل الاقتصادي لبلد ما خاصة دور المؤسسات الفاعلة والسياسات المحلية المتبعة‏.‏ فهناك دول لم تتأثر بالأزمة مثل مصر واليمن وغانا بينما هناك دول تأثرت بها مثل المكسيك والمجر ولاتيفيا‏.‏فالدول التي كانت اقل انفتاحا علي العالم الخارجي كان لها النصيب الأدني من اثار الأزمة خاصة في ظل سياسات محلية تتسم بالضعف‏.‏ ولكن هل ستمتد آثار الازمة إلي مدي أبعد أم أن آثارها ستكون مؤقتة ؟ يجب أن نتنبه الي أنها تتسم بالتقلب وانها تؤثر عدم استقرار النمو الاقتصادي للبلدان‏,‏ وهنا نعود مرة اخري الي التحقق من الهيكل الاقتصادي السليم وأثر العوامل لخارجية من تبادل تجاري وتحويلات المهاجرين وتدفق الاستثمارات الاجنبية واخيرا المعونات وكلها عوامل شديدة التقلب تبعا للصدمات الخارجية‏,‏ فهنا تأتي كلفة اتباع السياسات التأمينية والتنموية التي يجب أن تهدف الي تخفيف حدة وقع الازمات علي الاقتصاد المعني مثل الاتجاه نحو التنوع التجاري وتنمية الاسواق الداخلية والاتجاه نحو تطوير المنظمات الدولية خاصة صندوق النقد الدولي‏.‏ فالتعامل الجيد مع الازمات لن يتأتي الا من داخل البلدان من حيث المؤسسات الجيدة وإرساء هيكل اقتصادي سليم‏.‏

وتناول الدكتور حسن إيرسل من جامعة سبانشي التجربة التركية مع الأزمات الاقتصادية ليتوافق مع القول انه لا توجد وسيلة تمكن من التنبؤ بالازمة‏,‏ الا انه غالبا ما تتوافر حالة من عدم التأكد والذي قد اشار اليها كينز بالاضافة الي تعدد المشكلات الائتمانية‏.‏ مع التأكيد علي اهمية القطاع المالي الذي يلعب دورا هاما في الدورات الاقتصادية‏,‏ وهو ما أشار اليه إيرفن فيشر عام‏1993‏ في‏'‏ نظرية التسارع المالي‏'‏ لتصبح فيما بعد مثار اهتمام العديد من الباحثين خاصة في حقبة التسعينات والتي شهدت العديد من الازمات المالية في الدول النامية والمتقدمة‏,‏ ولكن عند الانتقال الي آثار الازمة يجب ان نضع نصب أعيننا الدول ذات الاقتصادات الهشة والتي غالبا ما تكون الأكثر تضررا من جراء الازمة حيث انخفاص حجم التبادل التجاري سواء من حيث تراجع الصادرات من ناحية الاسعار او الحجم الكمي وينطبق الحال علي الواردات ايضا‏,‏ هذا بالاضافة الي انخفاض الانتاجية في بعض القطاعات الاقتصادية وأبرزها القطاع المالي والذي يلعب دور الوسيط الناقل للأزمة للقطاعات الاخري تبعا لدرجة تكامل القطاعات الاقتصادية‏,‏ ولا يمكن إغفال الدور السلوكي للمستهلك حيث تراجع الطلب المحلي والذي يؤثر بدوره علي سلوك المنتج الذي يعيد النظر في دورة الانتاج‏.‏ واذا نظرنا الي تركيا كدولة مرت بخمس ازمات خلال الفترة‏(1929-2001)‏ نجد اننا لا نستطيع القول ان لديها الان من خبرة التعامل مع الأزمات‏,‏ فالأزمة الحالية مغايرة تماما ولا تنطبق الحلول المقدمة في الازمات السابقة علي الوضع الراهن‏.‏ فالحلول هنا لا تكمن في سياسات الاقتصاد الكلي المعتادة او الانظمة المالية والنقدية المتبعة‏,‏ بل الحاجة الي معالجة متعددة الاطراف تتطلب تعاونا دوليا يشارك فيه جميع الاطراف المعنية في المجتمع الدولي والا ستظل دائما هناك دول تعاني من توابع تلك الازمات وفي نفس الوقت تجعل طريق التعافي شاقا علي غير المأمول‏.‏

أما جيراردو ديلا باوليرا‏-‏ رئيس شبكة التنمية الدولية‏-‏ فأشار إلي ان التصدعات في النظام المالي العالمي كانت هائلة إبان فترة التسعينات رغم تواجد النهج المتفاءل لتوافق واشنطن‏,‏ غير ان ما حدث لاحقا من تغيرات في الادارة الامريكية واحداث الحادي عشر من سبتمبر وما صاحبها من تغيرات متسارعة في الاقتصادات المحلية علي المستوي العالمي فضلا عن التغير الملموس في طرق إدارة المنظمات المالية الدولية وعلي رأسها صندوق النقد الدولي‏.‏ نجد انه قد ساد خلال الفترة‏(2002-2007)‏ ثلاثة اتجاهات علي صعيد الاقتصاد السياسي‏:‏ تحول الولايات المتحدة الي دولة عجز مزدوج غير مسبوق مع تصاعد الاستهلاك المحلي الأمريكي لتصبح الولايات المتحدة من اكبر الدول مديونية‏,‏ كما كان لتواجد اقتصادات أخري مثل الهند والصين استطاعت أن تخترق الاقتصاد العالمي بالقدرة علي الإنتاج الكبير دافعة بإعادة تشكيل اسعار المواد الاولية والطاقة والمواد الغذائية‏,‏ كما ان تلك الاقتصادات الصاعدة استطاعت ان تحول جزءا كبيرا من احتياطياتها الي الاستثمار في أصول خالية من المخاطرة خارج حدودها‏.‏ ومن ثم لم يعد يدور الحوار في فلك آراء المثقفين او الوصول نحو التزام سياسي لاعادة تشكيل النظام المالي والنقدي العالمي بل ليدور التساؤل حول مدي العلم بحلول صادقة نحو القضايا الاقتصادية حتي يمكن تفادي اي صدمات مستقبلية ؟ وأضاف انه كان هناك دائما الطريق التقليدي التي تهرع اليه السلطات النقدية من حيث اتباع سياسات انكماشية او توسعية للوصول الي التوزان‏,‏ غير ان الوضع الراهن يختلف عن سابقه‏.‏ وهنا يجب الرجوع الي اهمية التحقق من قدرة ادارة النظام العالمي لسعر الصرف وتطوره‏,‏ فمن قاعدة الذهب الي جعل الدولار عملة الاحتياط الدولية ليمثل حوالي‏85%‏ عام‏1973‏ من احتياطي النقد العالمي‏,‏ ليصل الان الي نحو ثلثي الاحتياطي يتبعه اليورور بحوالي‏27%.‏ ليدفع بتساؤل جديد حول فقد الدولار الهيمنة كعملة احتياط دولية ؟ فاذا الاجابة بنعم‏.‏ إذن تري اي العملات تستطيع ان تحل محل الدولار ؟ وهل في مضمار البحث عن حلول للأزمة المالية العالمية ومن تتضمنه من توسع مالي ونقدي حلا يعمل علي تفادي ايه مطبات مفاجئة لقوة الدولار الامريكي ؟خاصة ان هناك دولا مثل الصين‏,‏ هي تعد من اكبر الدائنين لن يكون من المحبذ لها ان يمر الدولار بأية انهيارت مفاجئة‏.‏ وربما دفع التراجع في نمو الاقتصاد الامريكي الي تقليل حدة التوتر المتصاعد فيما يخص التوزان العالمي خاصة في ضوء إجماع عالمي بأن تضطلع المؤسسات المالية خاصة صندق النقد الدولي بنهج جديد يدعم الاستقرار المالي والنقدي خاصة فيما يتعلق بسعر الصرف‏,‏ فهناك فكرة المجمع الذهب التي تعمل علي وجود آلية للتحوط من اية تغيرات في اسعار الصرف المستقبلية‏,‏ تلك الحلول امر حتمي خاصة في ظل فاعلين جدد علي الساحة العالمية مثل الصين والهند ودول أخري آخذة في النمو‏.‏ إلا اننا سوف نشهد موقفا مماثلا لما حدث من انهيار للاسترليني عام‏.1931‏ كما ان حلا مثل اعادة تدوير الاستثمارات بأن تقرض الدول الولايات المتحدة بأسعار فائدة متدنية علي ان تعيد اقتراضها بأسعار اعلي بهدف اعادة الاستثمار يعد أمرا غير منصف‏.‏ فإذا كنا بصدد البحث عن حل يجب اولا ان نعمل علي استقلال صندوق النقد الدولي كمنظمة مالية عالمية تعمل علي ادارة الاحتياطي من العملات الدولية بما يتوافق مع الشفافية بالاضافة الي ادارة الاصول العالمية بهدف تحقيق استقرار اسعار الصرف العالمية‏,‏ ولا يجب إغفال الدور المتنامي للدول الصاعدة ومع إعطائها الحق في قوة تصويتية أعلي‏.‏ مع تنفيذ الاقتراحات الخاصة بدعم الصندوق لاعطاء المزيد من التسهيلات الائتمانية‏.‏ ربما كانت تلك الحلول المقترحة يشوبها بعض المحاذير فليس من اليسير اعادة هيكلة صندوق النقد الدولي من الناحية الاقتصادية لكن يصعب ذلك من الناحية السياسية‏,.‏ واستعرض جيرادو تجربة دول امريكا اللاتينية في مواجهة الازمة موضحا الدور المحوري الذي لعبته حكومات تلك الدول‏.‏ واختتم الحوار بأنه يجب ان ندرك انه إذا كنا بصدد البحث عن حلول جادة يجب ان تدورالمناقشات في ضوء طرح العيوب الجوهرية ومواجهة الآليات الهشة و تحديد طبيعة الوسطاء الماليين فأي نوع من البنوك نبحث عنها وما هي علاقتها بالاقتصاد الحقيقي وذلك قبل الانتقال الي مرحلة الاجراءات‏,‏ علي أن تتم تلك الخطوات المبدئية للإصلاح في ضوء هدف واضح الا وهو نحو إصلاح النظام المالي والنقدي العالمي‏.‏

وأوضح الدكتور محمود الجمل بجامعة ريس أن عدم الاستقرار المالي العالمي كان جليا منذ عام‏1960‏ نتيجة النظام المالي الهش المتبع عقب الحرب العالمية الثانية‏.‏ مؤكدا انه عقب كل أزمة تتغير الاتجاهات الاقتصادية وذلك علي غرار ما حدث عقب ازمتي المكسيك ودول شرق اسيا‏,‏ حيث ساد النمو المدفوع بالتصنيع ونمو الصادرات‏.‏ اما الان فيجب ان يكون التفكير اقليميا مستشهدا بالتجربة الاسيوية‏.‏وان مفاتيح التقدم تكمن في التكامل بين التجارة والتصنيع والنمو‏,‏ فالتصنيع هو المحرك الرئيسي وليست الصادرات‏,‏ وان علي دول المنطقة ان تعمل علي تعزير السياسات الدافعة نحو التصنيع مستغلة فكرة تكامل الاستثمارات علي المستوي الاقليمي فيما بينها خاصة في ظل تراجع نمو الاقتصادات المتقدمة وانخفاض حجم السوق المحلي‏,‏ مما يجعل لقضية التصنيع الاولوية علي المدي الطويل‏.‏ غير اننا نعلم ان هناك العديد من المعوقات من حيث عدم التكامل السياسي أو الاقتصادي مما يعوق التنسيق فيما بين الاستثمارات وخلق فرص للتكامل الاقتصادي‏.‏ فقد آن الاوان لدول المنطقة أن تتخذ موقفا اقليما خاصة في وجود دول تسير علي خطي التقدم مثل مصر وتركيا‏.‏ واشار الدكتور أحمد جلال المدير التنفيذي للمنتدي البحوث الاقتصادية الي أن ثمة ارتفاعا لموجة الشكوك حول مدي استمرار الدولار كعملة اساسية للاحتياطي الدولي خصوصا مع بزوغ اقتصاديات كبري جديدة ومنها الصين والهند والبرازيل والحاجة إلي إطار مؤسسي جديد يحكم الاقتصاد العالمي لضمان الاستقرار وعدم تكرار لتلك الأزمات‏,‏ وأن مصر تسير في برنامج الاصلاح الاقتصادي والمؤسسي وقطعت شوطا كبيرا وحققت انجازات‏.‏ وتناول مسعود أحمد رئيس قسم الشرق الأوسط في صندوق النقد الدولي مدي قدرة الاقتصاد العالمي علي استعادة معدلات النمو قبل حدوث الأزمة حيث ان معدل النمو المرشح يدور حول‏3%‏ بعد تجاوز الأزمة لأن حركة رأس المال قد لا تعود بنفس المستوي وأن الدول ستكون أكثر حرصا في سياستها الانفتاحية‏.‏

وقد تناول المؤتمر مناقشة أكثر من‏43‏ ورقة عمل بحثية تناولت كل الموضوعات الاقتصادية‏,‏ ما بين الحوكمة والتمويل والاقتصاد الكلي والعمالة والتنمية البشرية بالاضافة الي الاقتصاد المؤسسي‏,‏ لتشكل الاوراق البحثية المطروحة عملا إقليميا متميزا‏.‏ ليس فقط في طرح قضية الازمات وآثارها بل ليتعدي نحو التطرق الي سبل العلاج خاصة علي القطاعات التي يجب ان تلقي بحثا اعمق في المنطقة‏.‏

وقد أيقن الجميع أن أسواق اليوم التي تحكمها العولمة تحتاج إلي قواعد تضع في اعتبارها المصلحة العامة في كل بلد ومنطقة في العالم‏.‏ وانتقد البعض تصرفات الولايات المتحدة تجاه محاولات دعم وتأييد ربط سعر صرف عملات البلدان الخليجية والشرق الأوسط بالدولار‏,‏ بينما تشن هجوما عنيفا علي الدول الآسيوية لعدم سماحها لعملاتها بالارتفاع بشكل أسرع في مقابل الدولار؟ ولكن تبقي النقطة الفارقة في المؤتمر هو التأكيد علي أن أسواق المال لا تميل نحو التوازن‏.‏ وإذا ما تـركت الأسواق لآلياتها الخاصة فإنها تميل دوما إلي بلوغ درجات متطرفة من النشاط أو اليأس‏.‏وبسبب ميل أسواق المال إلي عدم الاستقرار‏,‏ فلا يجوز أن تـترك للعمل وفقا لآلياتها وإرادتها الخاصة‏;‏ بل يجب وضعها تحت مسئولية السلطات التي تتلخص وظيفتها في الحفاظ علي التجاوزات ضمن الحدود‏.‏

ولكن أهم ما يمكن استخلاصه من المناقشات‏,‏ هما درسان يمكن أن نتعلمهما من الأزمة كانا عصيين علي الاستيعاب‏.‏ أولهما يتمحور حول الاعتراف بخطورة تحرير أسواق رؤوس الأموال ـ المتمثل بانفتاح الأسواق المالية في البلدان النامية‏-‏ لم تكن مصادفة أن الهند والصين كانتا الدولتين الوحيدتين من الدول النامية الكبري اللتين استطاعتا تجنب الأزمة‏.‏ إذ قاومت كلا الدولتين تحرير أسواق رؤوس الأموال لديهما‏.‏ وعلي الرغم من ذلك تخضع الدولتان لضغوط عظيمة في سبيل تحرير هذه الأسواق في يومنا هذا‏.‏أما الدرس الثاني فيتمثل في حاجة العالم إلي مؤسسة مالية عالمية عالية المصداقية يتمحور دورها في تصميم ورسم الطرق والخطط التي تعزز الاستقرار العالمي والنمو الاقتصادي في الدول النامية‏.‏

لقد ظل البنك الدولي منذ أمد بعيد يعلن عن حلمه في‏'‏ عالم خال من الفقر‏'.‏ وربما يرغب صندوق النقد الدولي علي نحو مماثل في‏'‏ عالم خال من الأزمات المالية‏'.‏ والحقيقة أن هذين الهدفين علي قدر عظيم من الأهمية والصعوبة‏,‏ فلكي تستمر هذه المؤسسات الدولية‏,‏ في أداء وظائفها الحيوية‏,‏ فلابد أن تتكيف بشكل كامل مع احتياجات دول العالم خاصة النامي منه‏.‏ لهذا أصبح لزاما علي الصندوق أن يغير ويعزز من دوره الإشرافي وقدرته علي مراقبة احترام الدول الأعضاء لالتزامها بالإسهام في الاستقرار المالي العالمي‏.‏ إن صندوق النقد الدولي قادر علي منع وقوع الأزمات من هذا النوع في المستقبل‏,‏ إلا أن هذا لن يتسني له إلا بالسعي أولا إلي منع نفوذ مثل هذه البلدان من التأثير علي قدرته في التدقيق‏,‏ وانتقاد سياسات وقوانين الدول ذات النفوذ إذا لزم الأمر‏.‏ وهذا يتطلب إيجاد بنية حاكمة مختلفة‏,‏ حيث تتوزع السلطة علي نحو أكثر تساويا‏,‏ حتي يصبح بوسع الصندوق أن يمارس بفعالية دوره الإشرافي حيث ينبغي له أن يمارسه‏.

**المصدر: الأهرام الاقتصادى - العدد2134 - 30 نوفمبر 2009.
avatar
admin
المدير العام
المدير العام

العمر : 36
تاريخ التسجيل : 16/11/2009
عدد المساهمات : 124
الموقع : مصر

http://economy-eg.alafdal.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى